السيد محمد محسن الطهراني

150

أسرار الملكوت

واضحاً حتّى للفرد العامي أنّ وراء دعوة هذا الشخص إلى التوحيد والقيم الإنسانيّة واكتساب الملكات الفاضلة دوافعُ نفسيّة تقوم على أساس الحبّ والبغض الدنيوي ، ويبتغي منها تحصيل المنافع الشخصيّة من الوصول إلى الرئاسة والمراتب العالية للأمر والنهي ، وإرضاءً للملكات الرذيلة للنفس الطاغية وغير المتربية . يقول الله تعالى للنبي موسى عليه السلام : إنّ فرعون وإن ادعى الألوهيّة وتعدّى مقام العبوديّة ، لكنّ قلبه لا يزال مستعّداً ومتهيّئاً لتلقي كلام الحقّ ، فإذا تمّ التعامل معه بمداراة والتكلّم معه بمنطق صحيح لا باللعن والسبّ والطرد والمنع والأمر والنهي فمن الممكن أن يخرج من حالة العناد هذه ، ويؤوب إلى مرتكزاته الفطريّة وإملاءاته العقليّة ويقبل بمطالب الحقّ التي تقال له . تصرّف جعفر بن أبي طالب مع النجاشي من النماذج الصحيحة للأمر بالمعروف وهنا يمكن أن نشير إلى القصّة الجذّابة والممتعة لسفير الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم ؛ جعفر بن أبي طالب الطيّار ، حين أرسله الرسول إلى ملك الحبشة النصراني ؛ النجاشي . فجعفر بن أبي طالب هو الأخ الأكبر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقد تشرّف بالدين الإسلامي حين أعلن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رسالته . لقد انجذب المشركون إلى الإسلام من خلال كلمات الوحي والآيات الباهرة لكتاب الله ، والمقترنة بالخُلق الكريم والتعامل السليم والمنطق المحكم المتين للرسول الأكرم ، حتى أنّه بعد مدّة وجيزة تشرّف بالإسلام عدد من هؤلاء ؛ ممّن يمتلك قلباً صافياً وفطرة سليمة وعقلًا مستقيماً ، ونبذوا وراءهم عادات الجاهلية وعقائدها ورسومها . وحين أحسّ مشركو مكّة بعدم قدرتهم على مواجهة المباني المتينة والعقائد الإلهيّة الراسخة والرسوم الإسلاميّة الحكيمة ، شعروا أنّ موقعيّتهم